السيد محمد باقر الصدر
22
رسالتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 3 )
بالأحرى دعوة إلى عقيدةٍ بكلّ ما تتطلّبه من مفاهيم وعواطف ، وليست دعوةً فكريةً خالصةً تستهدف تطوير العقيدة طبقاً لها وتقف عند هذا الحدّ كالمذاهب الفلسفية المجرّدة ، كما أنّها ليست في مستوى الدعوات العاطفية المنخفضة التي تستغلّ العاطفة فحسب وتعني بتربيتها دون أن تقوم على اسسٍ فكريةٍ خاصّة ، بل للدعوة الإسلامية طريقتها الخاصّة في مزج الفكرة بالعاطفة ، وتفجير العواطف على أساسٍ فكري ، وبذلك تبقى محتفظة بالطابع الفكري بالرغم من اهتمامها بالجانب العاطفي وتنميته في الشخصية الإسلامية ، لأنّها تستوحي كلّ عاطفةٍ من مفهومٍ معيّنٍ من مفاهيمها عن الحياة ، والكون والإنسان . فالعواطف الإسلامية دائماً نتيجة المفاهيم والأفكار الإسلامية وانعكاسات انفعالية لها . ولهذا نجد أنّ الإسلام يهيّئ كلّ عقيدةٍ من عقائده وكلّ مفهومٍ من مفاهيمه ليكون ينبوعاً لعاطفةٍ خاصّةٍ تنسجم مع ذلك المفهوم أو تلك العقيدة وتتّفق وإيّاهما ، كما وجدنا في الآية الكريمة كيف ربط بين الإيمان بالشريعة الحقّة والخشوع لها ، هذا الخشوع الذي هو لون من الانفعال العاطفي يتطلّبه ذلك الإيمان ويصبح بدونه مجرّداً عن أيّة فعاليةٍ إيجابية . والسبب في هذا الربط بين المفاهيم والعواطف في الإسلام واضح كلّ الوضوح ؛ لأنّ الإسلام لا يريد المفاهيم والأفكار بمعزلٍ عن العمل والتطبيق ، وإنّما يريدها قوىً دافعةً لبناء حياةٍ كاملةٍ في إطارها وضمن حدودها ، ومن الواضح أنّ الأفكار والمفاهيم لا تصبح كذلك إلّاحين تتّخذ أشكالًا عاطفية ، وحين تخلق الانفعالات التي تناسبها والعواطف التي تساندها تتّخذ هذه العواطف موقفاً إيجابياً في توجيه الحياة العملية والسلوك العامّ . فمفهوم المساواة - مثلًا - الذي هو من أهمّ المفاهيم التي بشَّر بها الإسلام لا يمكن أن يثمر في الحقل العملي المثمر المطلوب ما لم تنبثق من هذا المفهوم عاطفة كعاطفة الاخوّة العامّة التي